الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، اللهم أنصرني على شرور نفسي وأطماعها، واجبر كسري وعجزي ، وأنطق لساني بالحق ، وأرني الأشياء كما هي ، إنك على كل شيء قدير .
حب الوطن من الإيمان ، والبلدة هي الوطن القريب والأحب إلى النفس بحكم الإلتصاق والوجود . يطا بلدي ، ومن الطبيعي أن أحبه وقد عشت فيه نصف قرن لم أبرحه ، وعشت مراحل تحولها من قرية فلسطينية تبدأ نهارها المبكر على صياح الديك ، وتنهيه مع آذان المؤذن الوحيد لصلاة العشاء معلناً بداية السبات .
كانت حدودها من كل أطرافها بيادر القرية ، وبعض أحيائها حمل اسم المصلى ، حيث تعود آباؤنا أن يقيموا صلاة العيد . وكان الاكتفاء الذاتي هو طابع الحياة ، ينتج الناس ما يكفي غذاءهم والفائض يشتروا به كساءهم .
عشت وفي بلدتنا مدرسة واحدة للذكور بدأت مع مولدي سنة 1939م ولا زال بعض من درسوا في البداية أحياء ورحل إلى ذمة الله من رحل .
كانت مياه الآبار غير ملوثة ومر عليها ما مر على بلاد الشام منذ فجر التاريخ ، أسسها الكنعانيون وترك الفراعنة أثارهم ( طور الحية) في سوسية وبها قبور العماليق ووصلها الآشوريون والبابليون كقرية كنعانية إفتخر قوم موسى بأنهم هزموا أهلها، وترك السلوقيون بصماتهم على صخورها محاولين إنشاء مدرجات ، والرومان والبيزنطيون تركوا أسماءهم منسوبة إلى زيتونها، ومن أرضها مرت جيوش الدعاة بقيادة عمرو بن العاص لتحرير فلسطين ، وشهدت كل ما مر على فلسطين من حوادث ولم تمر فترة طويلة أثناء الحروب الصليبية حتى عادت الحياة لها ، وفي العهد المملوكي كانت تابعة لغزة ثم جاء العثمانيون ودخلها الإنجليز ، وبكى أهلها سنة 1948م  وهم يشاهدون ضياع 43% من أرضها ، ثم سنة 1967م وقد إكتمل إحتلال فلسطين وشاهد الجليل الجديد بناء المستوطنات التي سماها الآباء المستعمرات .
قريتي .. بلدتي .. مدينتي .. ليست العبرة في المسميات لأن الأسم عنوان والمضمون هو الأهم ، والأهم أن نعرف أن يطا التي نعرفها  الآن قد تغيرت في حياتنا تغييراً لا يعرفه إلا من عاش القرية التي كانت تحوي آلاف رؤوس الأبقار ومئات الجمال وعشرات الألوف من رؤوس الأغنام ، ودخان الطوابين يكون صورة مضيئة مساءً وصباحاً مع موسيقى السحر ، وفجأة لم نعد نرى آخر جمل في إعزيز وزيف ، وصار أبناؤنا يعرفون الجمل على الشاشة الصغيرة ، بل إحتاجوا  إلى من يعرفهم على الصورة .
يطا الجديدة .. مئات السيارات .. مياه آبار لم تعد كافية ولا حتى صالحة، ولا عاد البيت عقداً يحوي جميع الأشياء والأشخاص ، ولم يعد يكفيه سراجاً أو شمعداناً  ، ولا عادت مدرسة واحدة تكفي 60 ألفاً كانوا  11560 نسمة سنة 1966م .
أحيطت يطا بقرى جديدة : بيت عمره، المنطار، إعزيز ، خلة صالح ، الكرمل ، خلة الميه ، أم لصفة، الديرات ، البويب، إمنيزل، التوانة، كلها بحجم القرية، عدا عن الأهل الموجودين في مسافر يطا ، سكان الكهوف كما سماهم الإعلام العالمي.
يطا الجديدة ما عاد يكفيها كافٍ .. فلا البئر ولا الأزقة ولا العقد ولا حتى الطابون ولا المسجد الكبير عاد يتسع ، كل ما حوله تغير ، فلم يعد الماء من البئر ولا النور من السراج ولا المرور من الزقاق .. أصبح فتيل السراج شبكة كهرباء وقناة البئر مواسير يحبو فيها الطفل والزقاق ميدان تحرير أو صرح شهداء  والديوان قاعة عامة تعدل حوشاً.. فكثر الأهل وكثرت الممتلكات وكثر الضجيج .. كل شيء يزيد وتقل الأرض .. نستقبل كل عام أكثر من 2500 مولود ونودع أقل من خمسة وهؤلاء القادمون الجدد يحتاجون ويفرضون أعباءً على الآباء والمؤسسات .
يطا الجديدة تحتاج إلى أن يبدأ كل منا بإصلاح نفسه قبل إصلاح الغير وأن يلزم نفسه بالصدق والفقه والأمانة والمحبة وأن الواجب إن لم يكن قول الحق فليكن .

فما الفائدة من كثرة المدارس إذا لم تكن مصانعاً تخرج أباءً وأمهات قادرين على الاعتذار عن الخطأ ، وتعلمنا أن يطا لنا جميعاً ، تعلمنا أن لا نكن أقل تطوراً من جماعة النمل أو النحل .

تعلمنا لماذا كلمة ممنوع محترمة في كل بقاع الأرض إلا هنا ، ولماذا لا نحترم القانون ، ولماذا جعلنا حراسه عجزة ، تعلمنا أن ضرر الغير  مخجل على أقل تقدير  ...

أتمنى لأغلى ما يملك بلدي ..لأبنائي اليطاويين أن نكون مجتمعا لا يكتفي بالصوم والصلاة والزكاة ، وأن نكون مجتمعاً تسوده المودة والنصيحة ، وأن لا نسرق ولا نكذب ولا نغش ولا نخدع ولا نغتاب ولا ...
أتمنى من قلبي أن نتحرر من بعض الموروث السيء ،  وأن نصل ببلدنا الى ما يحقق لأجيالنا إمتدادنا ، وأن يجدوا ما يعتزوا به فيها ، لأن المسهم في البناء خير من الوارث وأكثر حرصاً عليه وأن لذة العطاء خير وأبقى من لذة الأخذ ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


 رئيس البلدية ا. خليل محمد يونس